السيد محمد تقي المدرسي
36
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ونستوحي من سياق سورة الرحمن ؛ ان إقامة الميزان من حقائق القرآن ، ومن تجليات الرحمة الإلهية ، وهي إلى ذلك - تتناسب ونظام الخلقة . فالله سبحانه الذي رفع السماء بنظام وموازين ، لولاها لفسدت السماء والأرض ، يأمر بإقامة الميزان ، لأن الخلل فيه طغيان ويسبب في الفساد . 6 / بلى ؛ كل شيء في الخلق قائم على الميزان . فالنظام في الطبيعة قائم على التقدير ، ومن خالف الميزان خالف القسط ( وهو في طريق الفساد ) . قال الله سبحانه : وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( هود / 85 ) . 7 / وقد يكون ايفاء الكيل من التصدق ، حينما يكون الجانب الآخر ضعيفاً ومحتاجاً ولم يوف بكل الثمن كما في قصة اخوة يوسف التي يقصها ربنا في قوله سبحانه : فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَاوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( يوسف / 88 ) . عاقبة المقسطين بالوفاء : 1 / في آية كريمة ( الأعراف / 85 ) قرأنا أن الوفاء بالكيل والميزان خير ، وانه من الايمان . وكذلك نقرء ان اخوة يوسف دخلوا عليه ، فلما جهزهم بجهازهم طلب منهم ان يأتوا بأخيهم غير الشقيق ، ثم استدل على استقامته بأنه يوفي الكيل ، مما يهدينا إلى أن الوفاء من صفات النبل الانسانية . قال الله سبحانه : وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِاخٍ لَّكُم مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي اوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( يوسف / 59 ) . فمن وفى بالكيل احترمه الناس ووثقوا به ، وأضحى عزيزاً . 2 / وهكذا الوفاء بالكيل ، والوزن بالميزان المستقيم خير للانسان ، ( لأنه قسط ، ولأنه يبعث على السكينة في القلب ، ويستنزل الرحمة ) . وانه أحسن عاقبة ( لأنه يستقطب ثقة الخلق ، ورحمة الخالق ، وحسن ثوابه ) . قال الله سبحانه : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( الاسراء / 35 ) .